عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
472
اللباب في علوم الكتاب
وثالثها : أن الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر العظيمة ، والمواقف الكريمة ، فيكون الأمن تتمّة في تلك الطاعة . فصل في المراد بالأمن اختلفوا في الأمن المسؤول هنا فقيل : الأمن من القحط ؛ لأنه أسكن ذرّيته بواد غير ذي زرع ولا ضرع . وقيل : الأمن من الخسف والمسخ . وقيل : الأمن من القتل هو قول أبي بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه - عليه الصلاة والسلام - سأله الأمن أولا ، ثم سأله الرّزق ثانيا . ولو كان المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرّزق بعده تكرار ، وقد يجاب بأنه : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية ، وقد يكون بالتّوسعة فيها ، فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط ، وبالسؤال الثاني طلب التوسعة . قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : دعا إبراهيم لذريته وغيرهم بالأمن ، ورغد العيش . فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر اللّه - تعالى - جبريل ، فاقتلع « الطائف » من « الشام » فطاف بها حول البيت أسبوعا ، فسميت « الطائف » لذلك ، ثم أنزلها « تهامة » ، وكانت « مكة » وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيها ولا نبات ، فبارك اللّه فيما حولها كالطائف وغيرها ، وأنبت فيها أنواع الثّمرات . فصل في أنه متى صارت مكة آمنة ؟ اختلفوا هل كانت مكة آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، أو إنما صارت كذلك بدعوته ؟ فقالوا : إنها كانت كذلك أبدا لقوله عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه حرّم مكّة يوم خلق السّموات والأرض » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح 3 / 38 كتاب جزاء الصيد باب لا ينفر صيد الحرم حديث رقم 1833 ، 3 / 127 ، كتاب البيوع باب في الصواغ حديث رقم 2090 ، 5 / 309 ، كتاب المغازي باب 54 حديث رقم 4313 . وابن ماجة في السنن حديث رقم 3009 - وأحمد في المسند 4 / 32 والبيهقي في السنن 8 / 71 - والطبراني في الكبير 11 / 335 . والبخاري في التاريخ : 1 / 451 - وعبد الرزاق في مصنفه حديث رقم 9189 ، 2192 - وذكره ابن عبد البر في التمهيد 6 / 160 والهندي في كنز العمال حديث رقم 34652 ، 34677 .